محمد الغزالي

211

فقه السيرة ( الغزالي )

فانظر إلى بشاشة العاطفة الغامرة كيف صبغت الآفاق بألوانها الزاهية ، وانظر إلى حسرة الفقد كيف تخلّف سوادها الكابي على كل شيء ! ! . هكذا كانت دار الهجرة ، لقد أحبت اللّه وأحبت رسوله صلى اللّه عليه وسلم . فكان هذا الحبّ المكين سرّ انتصارها الرائع للإسلام ، ومبعث التضحية عن طيب نفس بكل مرتخص وغال . وقوم يربطهم بقائدهم هذا الإعزاز الهائل ، تندكّ أمام عزائمهم الأطواد الراسية . [ أوصافه وبعض أخلاقه صلى اللّه عليه وسلم ] : سأل الحسن بن علي هند بن أبي هالة عن أوصاف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فوصف له بدنه ، فكان مما قال : . . يمشي هونا ، ذريع المشية - واسع الخطو - ، إذا مشى كأنّما ينحطّ من صبب - يهبط بقوة - وإذا التفت التفت جميعا ، خافض الطرف ، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء ، جلّ نظره الملاحظة - أي لا يحدّق - يسوق أصحابه ، ويبدأ من لقيه بالسلام . قلت : صف لي منطقه ، قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم متواصل الأحزان ، دائم الفكرة ، ليست له راحة ، لا يتكلّم في غير حاجة ، طويل السكوت ، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه - لا بأطراف فمه - ويتكلّم بجوامع الكلم ، فصلا لا فضول فيه ولا تقصير ، دمثا ، ليس بالجافي ولا المهين ، يعظّم النعمة وإن دقّت ، لا يذم شيئا ، ولم يكن يذمّ ذواقا - ما يطعم - ولا يمدحه ، ولا يقام لغضبه إذا تعرّض للحقّ بشيء حتى ينتصر له ، ولا يغضب لنفسه ، ولا ينتصر لها - سماحة - ، إذا أشار أشار بكفه كلها ، وإذا تعجّب قلّبها ، وإذا غضب أعرض وأشاح ، وإذا فرح غضّ طرفه ، جلّ ضحكه التبسّم ويفترّ عن مثل حبّ الغمام . وقال ابن أبي هالة يصف مخرجه - على الناس - : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يخزن لسانه إلا عمّا يعنيه ، يؤلّف أصحابه ولا يفرّقهم ، يكرم كريم كل قوم ، ويولّيه عليهم ، ويحذر الناس ، ويحترس منهم ، من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره .

--> - 268 ؛ وقال الترمذي : « حديث صحيح » ، وقال الحاكم : « صحيح على شرط مسلم » ، ووافقه الذهبي ، وهو كما قالا . ورواه الدارمي : 1 / 41 ، بنحوه ، وسنده صحيح أيضا على شرط مسلم ، وهو رواية للحاكم وأحمد : 3 / 122 .